لغتنا الجميلة
في علم البيان و البديع
البحث الرابع
كثيرا ما كنا نقرأ قصيدة .. أو نسمع بيتا من الشعر .. فنشعر بجماله , و روعة القصيدة و ما فيها من جمال في معانيها أو في صورها البيانية .. و نتمتع بها لما فيها من تشابيه بليغة .. أواستعارات جميلة .. أو جناس أو طباق رائعين .. الا أننا لم نكن ندري أين هي مكامن هذا الجمال .. نشعر به و لا نعرف أين مواطنه في القصيدة أو البيت .. الا أنه و بعد أن تمكنت الذائقة الشعرية في النفوس و نتيجة للقراءات المستمرة و قراءة ما نقله لنا القدماء في كتبهم التراثية و تعريفنا بهذه المواطن الجمالية .. أصبحنا نعرف أين هي مكامن الجمال و مواطنه الذي يتمثل بما في القصيدة من استعارات جميلة و تشابيه بليغة و ما في القصيدة من محسنات بديعية .. زادت من جمال معانيها و دعمت من قوتها .. و قد تحدثنا في المقالات السابقة عن بعض هذه المحسنات البديعة فتكلمنا عن الاستعارة و الكناية و الطباق ..و قلنا :
ان الاستعارة كما جاء في كتب التراث هي ضرب من التشبيه ، و نمط من التمثيل ، و التشبيه قياس ، و القياس يجري فيما تعيه القلوب ، و تدركه العقول ، وتستفتى فيه الأفهام و الأذهان ، لا الأسماع و الآذان .
يقال : هي استعارة الشيء المحسوس ، للشيء المعقول ( المعنوي ) ، كقوله تعالى :
" و اخفض لهما جناح الذل من الرحمة "
كما ذكرنا أن الكناية
هي أن يأتي الشاعر بعبارات أو بألفاظ تحمل معان معينة .. و لكن يستشف منها معنى آخر قصده الشاعر
وكذلك ، أن يذكر المتكلم شيئا ، و هو يريد شيئا آخر ، كقولك : فلان نقي الثوب ، أي لا عيب فيه ،
و طاهر الجيب ، أي ليس بغادر ، و قلنا أيضا
الطباق .. علم يعرف به وجوه تحسين الكلام ، بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال ، ووضوح الدلالة . وهو ضربان : ضرب يرجع الى المعنى , و ضرب يأتي على اللفظ . أما المعنوي فمنه :
المطابقة و تسمى الطباق ، أو التضاد أيضا .
و طاهر الجيب ، أي ليس بغادر ، و قلنا أيضا
الطباق .. علم يعرف به وجوه تحسين الكلام ، بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال ، ووضوح الدلالة . وهو ضربان : ضرب يرجع الى المعنى , و ضرب يأتي على اللفظ . أما المعنوي فمنه :
المطابقة و تسمى الطباق ، أو التضاد أيضا .
كقول أبي صخر الهذلي :
أما و الذي أبكى و أضحك و الذي ... أمات و أحيا ، و الذي أمره الأمر
.. و الآن سيكون موضوعنا
البديع
المحسنات البديعية ، هي ما يحتاجها الشاعر أحيانا ، كي يمنح المعنى جمالا ، و القريض قوة .. و لكن يجب ان يستعملها الشاعر بصورة لاتكلف فيها ، فان أكثر منها مجها السمع وأصبحت ثقيلة عليه ، فجاء الشعر متكلفا ، بعيدا عن العاطفة . و يقال ان مسلم بن الوليد الملقب " صريع الغواني " هو أول من أكثر من البديع في شعره ، ثم تبعه الشعراء في ذلك . و يبدو أنها سميت " محسنات " لما تضيف على القصيدة أو الأبيات من جمال شعري ، و قوة في البناء .
و من هذه المحسنات :
و من هذه المحسنات :
الجناس و التجنيس :
هو التشابه اللفظي ، و التام منه ، أن يتفق اللفظان في نوع الحروف و أعدادها ، و هيئاتها و ترتيبها ، يكون جناسا تاما ، و قد يكون الجناس بين اسمين ، كقوله تعالى :
" و يوم تقوم الساعة ، يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة "
فلفظة الساعة أسم يعني القيامة ، و ساعة يعني الزمن .
و قد يكون الجناس بين اسم و فعل ، كقول أبي تمام :
ما مات من كرم الزمان فانه ... يحيا لدى يحيى بن عبدالله
فيحيا هنا فعل .. و يحيى اسم .. شكلا جناسا تاما
و قد يكون الجناس ناقصا ..اذا اختلف اللفظان في أعداد الحروف ، فقد يكون الاختلاف بنقصان حرف أو زيادة حرف . كقوله تعالى :
" و التفت الساق بالساق الى ربك يومئذ المساق "
الجناس الناقص بين لفظة الاق .. و لفظة المساق
و كقول أبي تمام :
يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب
و قول البحتري :
لئن صدفت عنا فربت أنفس ... صواد الى تلك الوجوه الصوادف
و قوله ( البحتري ) :
ما زلت تقرع باب بابل بالقنا ... و تزوره في غارة شعواء
اذن التجنيس هو أن يأتي الشاعر بكلمتين مقترنتين متقاربتين في الوزن ، غير متباعدتين في النظم . غير نافرتين في الفهم ، يتقبلهما السمع ، ولا ينبو عنهما الطبع ، كقول يزيد بن عبدالمدان الحارثي :
أحالفتم جرما علينا ضغينة ... عداوتكم في غير جرمٍ و لا دمِ
كفانا اليكم حدنا و حديدنا ... و كفٌ متى ما تطلب الوتر تنقمِ
كفانا اليكم حدنا و حديدنا ... و كفٌ متى ما تطلب الوتر تنقمِ
و من التجنيس الحسن ، قوله :
حين نجا من خوفه و ما نجا
ناظراه فيما جنت ناظراه ... أو دعاني أمت بما أودعاني
فان زاد الشاعر في التجنيس ، فثلث ( أي أتى بثلاثة ألفاظ ) .. كان ذلك فسادا في الصنعة ، و قد تثقل الألفاظ على السمع و القلب ، ، كقول أبي تمام :
سلم على الربع من سلمى بذي سلم ...
لو أنه اكتفى بلفظتي سلم في مطلع البيت ، و سلم في آخره .. لكان أجمل ، و أوفى بالغرض .. الا أن لفظة سلمى عكرته .. أضافة الى ذلك فان لفظتي سلم .. هنا هما لفظتان متقابلتان ، حيث الأولى وردت في أول البيت ، و الثانية في نهايته ، و المقابلة هي من المحسنات البديعية أيضا ، وقد انفردت لفظة سلمى بغير قرين لها ، أي اقترانها بلفظة مقابلة ، و لو أن الشاعر ربّع أي لو أنه أتى بلفظة رابعة لصحت المقابلة ، و ان ثقلت الألفاظ على السمع و القلب ، و عاد التكلف ظاهرا عليها ، مثال التربيع كأن يقول :
سلم سلمت على سلمى بذي سلم ..
هنا تمت المقابلة بوجود أربع ألفاظ .. وان تكن ثقيلة على السمع كما قلنا .
و كان الأصمعي يستبشع قول الشاعر :
و كان الأصمعي يستبشع قول الشاعر :
فما النوى ، جد النوى ، قطع النوى ... كذاك النوى قطاعة لوصال
يقول الأصمعي : لو أن الله سلط على هذا البيت شاةً ، لأكلت نواه ، و أراحتنا منه .
و أنشد ابراهيم الموصلي الأصمعي قوله :
و أنشد ابراهيم الموصلي الأصمعي قوله :
يا سرحة الماء قد سدت موارده ... أما اليك طريق غير مسدود
لحاتم حام حتى لا حيام له ... محلّأٍ عن طريق الماء مورود
لحاتم حام حتى لا حيام له ... محلّأٍ عن طريق الماء مورود
فقال الأصمعي : أحسنت في الشعر ، غير أن هذه الحاءات ، لو أنها اجتمعت في آية الكرسي لعابتها .
و يروى عن بعض المشايخ قوله : مثل التجنيس الواحد في البيت ، كالخال الواحد في الخد ، فاذا كثر ، انتقل من الاستحسان ، الى الاستقباح ، و ربما طمس محاسن الوجه .
و يروى عن بعض المشايخ قوله : مثل التجنيس الواحد في البيت ، كالخال الواحد في الخد ، فاذا كثر ، انتقل من الاستحسان ، الى الاستقباح ، و ربما طمس محاسن الوجه .
و قد تختلف الألفاظ بترتيب الحروف ، سمي جناس أيضا كقول بعضهم :
رحم الله امرءا أمسك ما بين فكيه ، و أطلق ما بين كفيه
و قول المتنبي :
ممنعة منعمة رداح ... يكلف لفظها الطير الوقوعا
و من الأمثلة على الجناس الناقص ، قول صريع الغواني :
وافٍ على مهجٍ .. في يوم ذي رهجٍ ... كأنه أجلٌ .. يسعى الى أملِ
الجناس الناقص هنا .. بين مهج و رهج .. و أجل و أمل
....
نذكر هنا
أمثلة من الجناس الشعري :
نذكر هنا
أمثلة من الجناس الشعري :
ذهب الأعالي حين تذهب مقلة ... فيه بناظرها حديد الأسفل
البحتري
البحتري
و أنجدتم من بعد اتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على ساكني نجد
أبو تمام
أبو تمام
هن الحَمام فانما كسرت عيافةً ... من حائهن ، فانهن حِمام
أبو تمام
أبو تمام
منزلتي يحفظها منزلي ... و باحتي تكرم ديباجتي
يعشى عن المجد الغبي و لن ترى ... في سؤدد أربًا لغير أريب
البحتري
ما زلت تقرع باب بابل بالقنا ... و تزوره في غارة شعواء
البحتري
ذهب الأعالي حيث تذهب مقلة ... فيه بناظرها حديد الأسفل
و كل غنى يتيه به غني ... فمرتجع بموت أو زوال
و هب جدي طوى لي الأرض طرا ... أليس الموت يزوي ما زوى لي
و هب جدي طوى لي الأرض طرا ... أليس الموت يزوي ما زوى لي
وقبل أن ننهي هذا البحث ، نقول : ان الجناس بحثه يطول.. و أنواعه كثيرة ، و أرجو ان أكون أوضحت المطلوب ، ووفقت في ايضاح المقصود ، و سنتناول ان شاء الله المزيد من المحسنات البديعية في مقالات لاحقة ان شاء الله .
..
المصادر عدد من كتب التراث
...
خالد خبازة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق