الجمعة، 3 نوفمبر 2017

[ القطار رقم 832 ] رواية ـ بقلم / الكاتب : سيد يوسف مرسي


القطار رقم 832

تمهيد :

يتساوى الليل والنهار  في غمار قفر الصحراء ،على تلك الأريكة الشمطاء ، الليل يشدد قبضته  . قسوة ...! ، الأجفان لا تركع أو تطاوعها السجود ،، تسبلهما عنوة ،  فاطمة فوق جسر ملتهب وجمر ، تفتش كل حقائبها ، تنظر في المدى البعيد تراقب السحب وتأمل الغيث ، لا  تزاور الشمس كهفها ولا تدركه ،،،  مغمور تحت جبل الظلام والحاجة الملحة يبع في ظلام بهيم ، الكلب لا يبسط ذراعيه بالوصيد ، وأصحاب الكهف في رفاء النوم قابعون ، تود  لو ضرب الله على أذنيها،، كما ضرب على أذان أهل الكهف  فتصم ،فلا تسمع من الدنيا همس ولا يؤرقها ضجيج الصخب وطبول الحاجة  والعوز ...  الوجدان في حانة من قرع الضجيج حقول دوائرها مزروعة بأشجار الأمل والتي لم تثمر بعد ،،، . قد  يفقد اللب اتزانه حين تدق أجراس الخطر المحدق بها ، كأنها في حالة حرب ، تخشى حوا مات القذائف المترصدة ، فتهرب إلى مخبئها التي تظنه آمن  ، لكن الصدى يأتي  ويخترق جدرانها المشقوقة ، من بعيد تراقب وتجرئ بلا حيلة   ،  فاطمة تقدح جدران الخواء في معمعة الغرق والموج لا يرحم ولا يعترف بمن هو فاقد للغوص والسباحة   ،مآسيها قد لا تنته وما من شعاع أو بريق .!كل النوافذ موصدة ، أين السكينة التي كانت تأملها وتترجاها ، يطوف الأمل بأحداقها طواف  السراب ...! ، يمد الأرق جسوره للعبور ويستوطنها  ، يبعثها الباطن وينهضها فتستغيث أنينا ، تمتطي زورقها في يم غاضب ، ويدها ترتعش وهي تقبض زورقها ، وما هي  بقبطان . فاطمة ...!                            بقلمي :سيد يوسف مرسي 


                                           @@@@@

                                             الفصل الثاني 

كيف  ل فاطمة أن تخرج من قمقمها ؟ ، أن تبعث من رقاد الموت ، أن تمد خطاها عسى أن تجد مأوى ، متسعاً ،  براحا بعيدا عن ً سطوة الكهف وفقر الحاجة والعوز ،
الحاجة تلح عليها وقد تراكمت الديون عليها وأهل الصدقات في هذا المكان لا يصلون إليها ، يجهلونها .... والطفل يعوزه الحليب  وضرع الشاه ضامرة ، قيد شديد كبل قدميها ، شاء القدر أن لا يرى الطفل أبيه ولا يناديه  مات أبوه بعد ولادته بعام واحد حينما خرج ولم يعد . ساعياً  للرزق ، لكنه لم يعود ولن يعود ، هو كل ما عرفت من الناس والدنيا ، ولا  سبيل إلا للسعي .! تعودت أن تتركه عند جارة لها عرفت فيها الود ووجدت في قلبها الشفقة ،
فهي تطمئن عليه مادام معها وفي رعايتها يلعب مع أطفالها وتجلسه معهم حين يأكلون . واليوم قررت فاطمة أن تخرج وأن تبعد أكثر مما كانت تبعد وإن كانت ستلقى من المشقة والتعب ما لا تتوقعه ، لقد تعودت على التعب والدح والكد ومن أجل سالم طفلها ستفعل المستحيل .
كان القرار أخذ مكانه وقلبت أمرها جيداً لا بد من عمل شيء ، فكل ما لديها  قروش قليلة ستستعين بهم في مشوارها  ،عقدت عزمها،،،،، . أمسكت سالم وأطالت النظر إليه ، حضنته بين ذراعيها ، ضمته ضمة بعد ضمة بين جناحيها ،  كأنها تخشى ألا تعود إليه ، أو خشية أن يصيبه مكروه في غيابها عنه ، نزلت دمعتين حارتين من مقلتيها وخشيت أن يراهما سالم فيفزع فوضعت رأسه في صدرها ومسحت ما سال من دموع  وهي تكظم نهمة البكاء ،  رفعته بين يديها وهي تضمه إليها وكأنها تفرغ من الحنين إليه ما يحتاجه في غيابها . وخرجت تقصد جارتها أم محمد لتودعه معها حتى تعود ،

وتكتظ في حشاها وتتنفس أنيناً وهي تنظر طفلها ، وتمضي


                                         @@@@@

                                            الفصل الثالث  


كان على فاطمة أن  تمضي أن تقاوم لقد قررت وما من سبيل .! ،  بالرغم أنها تسعى للمجهول ، غير عابئة بما يدور حولها ،الطريق الذي سوف تقطعه عدة كيلو مترات كي تصل إلى محطة القطار الذي سوف ينقلها ، لا بأس سوف تقطعها مشيا على الأقدام ولن تتسول أجرة المركبة التي سوف تلحقها بالقطار قبل وصوله ، تعودت فاطمة على السير أكثر من ذلك ، مضت وهي في تيه الخيال والتصور ،   حتى إنذارات أصحاب المركبات القادمة من الخلف لم تؤثر فيها كأنها لا تسمع ولا ولا ترى ، ماضية مأخوذة في طوفان بحرها ، الأمواج تشتد ضراوة كلما اقتربت من رصيف الوصول للقطار القادم . يبدو أنها وصلت على حافة الوقت المقرر لوصول القطار ،  فما أن وطئت قدماها واستهلت أرض الرصيف حتى بادرها مكبر الصوت بالمحطة ، على السادة الركاب المتجهون إلي الصعيد ( القطار رقم 832إلى الرصيف رقم 1 سيصل الرصيف  حالاً ) . انقبض قلب فاطمة وكاد يغشى عليها وهي تتمالك وتخشى أن تخر قواها فتسقط تحت عجلات القطار ، فوجئت بجيوش الركاب من المسافرين تدفعها ، وسقطت على رأسها حقائب المسافرين  من الركاب من الخلف فالكل يود الحصول على مقعد نظراً للزحام الشديد من الركاب وكثرة المسافرين  إلى بلادهم القاصية عن عاصمة أم الدنيا ، ظلت مدفوعة بكتل الركاب والحقائب من الخلف وعن اليمين  وعن الشمال وما من موضع لقدم تمر في تلك اللحظة ، وحتى يتحرك القطار قد يستمر هذا الوضع على هذا الحال  كما هي العادة في القطارات المتجهة ناحية الصعيد ،  وقد تمر عدة محطات حتى يفرغ القطار بعضاً من ركابه و شحنته البشرية ،
تسمرت بجانب كرسي تجلس عليه السيدات وبنتان ومكان به ما زال خالياً يوحي  للناظرين بأنه غير شاغر وخاليا أو أنه محجوز لأحد الركاب والذي لم يأت بعد ،
نظرت فاطمة إلى المقعد الفارغ وكأنها توحي بحاجتها  بالطلب للجلوس وهي تهمس وتشير للمرأة ، استجابة السيدة وبنتيها وسمحا لها بالجلوس بعد أن تبادلا الإشارة بالنظرات ، فتلقت فاطمة   أشارة استجابة وبشاشة من المرأة وبنتيها لها وأفسحن لها لتجلس وكأنهن رأونا  فيها حسن المجاورة والجلوس معهم ووضعت مخرتها في المقعد وظهرها وتنهدت تنهيدة البركان الذي ينفس عن مخزونه الملتهب في الفضاء ليقذف حممه ودخانه الأسود حتى تكسف الشمس فلا ترى للعين ،،،!  ويتحرك القطار معلنا الرحيل وهو يطلق نفيره معلناً مغادرته الرصيف ، وفاطمة تظل على موعد مع القدر ،،

                                          @@@@@
                                          الفصل الرابع 

  
أِخِذ فاطمة النطاق الخارجي  خارج القطار حين راحت تجري بأحداقها كما يجري القطار ويلفحها  الهواء البارد الرطب في وجهها  من النافذة المفتوحة بجانبها في  القطار وهي ترقب المباني التي تجري للخلف والزراعات  فأخذت بعيداً فلثمها لاثم  وأسبل أجفانها وغاصت ولم تدري أين هي . ..!
داهمها النوم ولم تتركها الكوابيس والأحلام ، رأت : فيما يرى النائم أنها تمشي في صحراء مقفرة والشمس تميل للغروب في كبد السماء وكلب عقور يمشي خلفها وهي تمسك بيد طفلها سالم ثم يتجه الكلب  لعقرها من الخلف فتهم للإفلات منه وهي تقول : بيني وبينك ربنا لا تعضني وترفع طفلها وهي تحضنه مخافة أن يصيبه أذى ويعضه الكلب ، فإذا بالكلب يختفي وترى الشمس كأنها أشرقت من جديد ورجل بثياب بيض ولحية مدلاة يقف على قارعة الطريق ويقول مري ولا تخافي سأكون معك حتى نهاية الطريق ، فإذا بفاطمة تنتفض لتري يد السيدة التي بجوارها تمسك يدها لتوقظها من نومها وقد ألقت بذراعها ورأسها عليها . وأفاقت فاطمة وكأن ما رأته كان حقيقة ، تلفتت حولها لترى وتتأكد وتخرج بقايا شهقة كانت بداخلها كأنها تسترد روحها من جديد وهي تقول ( اللهم اجعله خيرا ) ،سترك يا رب أنت مع الغلبان مع المسكين  وتخرج شهقتها المحمومة وتذهب عبر النافذة المكسورة لتجري مرة أخرى مع القطار على الأرض كما تجري الثوابت وترتد ..!  

                                          @@@@@
                                          الفصل الخامس 

دنا محصل التذاكر ودخل العربة التي تجلس بها وبدأ يقترب أكثر فأكثر من مقعدها ، قلمه لا يفارق يده وطرقاته التي لا تتوقف بمؤخرة القلم على أطراف المقاعد للتنبيه على الركاب والمسافرين لإبراز تذاكرهم والتحقق منها ، مقلتيه في عينيه تدوران كأنه  يستكشف ويقرأ الوجوه  في حلقة المقاعد التي يتوسطها ، لسانه لا يكف أبداً وهو ينادي (تذكرتك يا أستاذ ) ، (تذكرتك يا هانم ) صندوق التذاكر بين يديه وكأنه يعضض عليه بأسنانه ويخشى عليه من السقوط وقد علق في رقبته صفارة تتدلى بسلسلة  حديده على صدره يستعملها عند اللزوم ، إما لطلب النجدة أو للتنبيه عن شيء سيؤثر على سير القطار .  ها وقد حان دورها وأقترب المحصل أكثر ووقف فوق رأسها ، مالت برأسها إلى أسفل  لتخفي وجهها وكأنها تسند رأسها على صدرها تتصنع النوم أو تصنعه ، عسى أن يتركها وتتمنى أن ينساها فهي لا تملك التذكرة ولا ثمنها .! وحينما خرجت وأودعت طفلها عند جارتها لم تفش سر خروجها أو تغيبها لها ، قد جعلت كل شيء في مكنون وجدانها يحترق به قلبها ،  أفضل من تسأل الناس إلحافا على صدقة أو معونة ، فالحياء يملكها وإن كانت فاطمة لا تملك حتى قوتها ، في عوزه واحتياج شديدان  ، لم يدخل الفتات معدتها وأحشاؤها تكاد تتقطع من قلة الطعام  ، فمنذ يومين وهى تعيش على الماء القارح فمن أين يأتيها أو يعطيها  ثمن التذكرة أو أجرة القطار ؟ إنما خرجت فاطمة وهي تسلم أمرها لله وتلقي حملها عليه فهو القادر على كفايتها ،  الله وحده   وهي تؤمن أن الله لن يتركها أبدا لتضيع ،
غمزها المحصل في كتفها وكأنه يوقظها فتظاهرت بالإفاقة على وخز القلم ورفعت عينيها إليه وصمتت لا تعرف بماذا  تجيب  ؟ وبماذا  ترد..؟  ،رفع المحصل صوته  وهو يحدق فيها ويقول تذكرة يا ست ، تذكرة يا هانم من فضلك ، التفتت فاطمة حولها على الجالسين كأنها تستجير وتطلب النجدة ، فما وجدت منهم غير النظر بالعيون والا مبالاة ، لقد حوصرت فاطمة و ليس  هناك رد منها  ولا استجابة .! وفتح المحصل قاموسه وراح يمطرها بوابل من الزجر  خلصينا يا هانم ألم تسمعي ،  ورآنا شغل  تغرغرت عيناها وطأطأت رأسها  والمحصل يستعجلها بالدفع أو التذكرة  ، ويشتد المحصل غضباً ويمسك بكتفها ويخرجها من المقعد ويقول سأسلمك لنقطة الشرطة أو المحطة القادمة  وهو يدفع بها أمامه والناس تنظر إليها في استغراب ولا تعرف سبب ذلك فقد ظن البعض أنها من المتسولات اللاتي يجيبون  في القطارات  أو من بائعات الهوى الذين يصطادون زبائنهم من القطارات أو محطات الوصول أو من النساء اللاتي  لديهن خفة في اليد وسرقة الركاب هكذا الناس في ظنونهم لا يعرفون  الدافع الذي جعل المحصل يأخذها ليسلمها للشرطة ،
مدفوعة أمامه كالمجرمة التي أمسك بها .  تنكب فاطمة وتسقط  على  مقاعد الركاب وتنقلب على الأرض  لا تدري ما يفعل بها ..!
ما الذي سيحدث لها ........


                                                @@@@@
                                                الفصل السادس 
سقطت فاطمة كما تسقط الأمتعة من فوق الرفوف ،
أدى سقوط فاطمة على الركاب الجالسين في مقاعدهم وتمددها جثة هامدة في طرقة القطار إلى استياء الركاب والنفور فزجروا المحصل  وانهال عليه البعض بالتوبيخ والسب وهمَّ البعض أن يفتك به أو يضربه لولا أن نجا بجسده بأعجوبة من تحت هدير غضب الركاب ووقوعه بين أيدي أفراد نقطة شرطة القطار ليحتمي بهم وليجد ملاذاً بعيداً عن بطش الركاب به .وامتدت الأيادي ترفع فاطمة من بين  المقاعد وتقدم لها الإسعافات الأولية وعلت الأصوات كلٌ يلقي بدلوه ،وتهب سيدة تمسك بيدها زجاجة ماء لتنثرها على وجهها وهي مترنحة بين الأيادي لتتحرك وترفع إسبال عينيها من غماء ويتوقف القطار على محطة بني سويف وتنزل فاطمة محمولة  لتوضع في عربة الإسعاف وتنقل إلي المستشفى  غير عالمة بالذي حدث ، ولم تكف لسانها  كلمة تعلقت على شفتيها ولسانها ،  ولدي ...!  ، ولدي...! سالم ...!


                                       @@@@@

                                  الفصل السابع 


انتهى جمال  من نوبته في القطار 832ودخل مكتب التسليم  والتحصيل بالمحطة ليسلم دفتر التذاكر وحصيلة المخالفات التي حررها في نوبته التي كانت مقررة ، عرج  بقدميه خارج المحطة  كعادته وهو في  اشيتاق للجلوس على مقهاه المعتاد  وكرسيه المعتاد وعلى قدح من الشاي وشوقه أشد على حجرين من دخان (المعسل) التوباك يشدهما ،فرأسه أصبحت ثقيلة  والصداع تملكها وعبأها  . يزدحم المقهى في تلك اللحظة برواده ومرتاديه ،لقد شغر مكانه بزبون أخر ،  بحث جمال على مكان يجلس فيه بعيداً عن ضوضاء الشارع فلم يجد لكنه وجد مقعداً في زاوية للمقهى هو أقرب في الجلوس لصاحبها المعلم حنفي ،أوى إليه كما يأوي الطفل إلى صدر أمه وكأنه أراد أن يلقي حمولته من على كتفه  ،  ألقى جمال بجسده على المقعد ومدد رجليه واتكأ بظهره للخلف وهو يرفع رأسه في السماء  كأنه يستدعي أمراً في ذاته ، لكن قاطعة  صبي المعلم  ( حبظلم  ) وكأنه أراد أن يرجعه إلى وعيه لم يعطه الفرصة لقد جاءه مسرعاً يرفع صوته يعبأ به المقهى ويسمعه المعلم الكبير ، مرحباً به كالعادة حمداً على السلامة يا ريس جمال القهوة نورت ، شاي ،قهوة سادة،  شيشة ، مشروب( ساقع) بارد أو مثلج  أنت تأمر يا عمنا وكأنه يستعجله الطلب ، أشار جمال (لحبظلم )بصفته النادل أو الجرسون في المقهى  وكأنه يهامسه شاي (مظبوط ) مضبوط القيمة في السكر والشاي وشيشة تكون متغيرة ونظيفة ، تلقف (حبظلم )الطلب من الريس جمال وهو يصرخ بأعلى صوته شاي مظبوط وشيشة للريس جمال ،سرعان ما عاد صبي المعلم بالطلب يحمل الشاي بيد ويحمل الشيشة باليد الأخرى ،  تلقف جمال مبسم الشيشة وكأنه يعض عليها من شدة الشوق لها  وهو يشد عليها ليخرج دخان التوباك من جوفها الذي سار يتغلغل في رئتيه ويخرج الفائض من( شكمانيه ) أي منخاريه أو  فتحيي أنفه كالمركبة التي خف محركها وتحتاج إلى عمرة وأصبح يتلذذ وهو يسمع كركرت الماء بداخل زجاجة الشيشة البيضاء كأنها تشاطره الضحك والدخان يتصاعد في   جوفها كالسحب ويتكور وهو يدور ليجد متنفساً للانطلاق من محبسه لينطلق في إلى رئتيه ثم إلى الفضاء ،
                                          @@@@@
          
                                           الفصل الثامن  

لم يكن ما حدث مع فاطمة موضع ترحاب في صدر جمال ولا  كان يود ذلك .!
ففي داخل قفصه معركة يدور رحاها  ولا يعرف كيف يخرج من تلك المعركة التي فرضت عليه  ..... في صدره وفي وجدانه ، كثرت الأسئلة المطروحة وتجمعت بأم رأسه  وهو يقلبها ويدور معها كما تدور الناعورة  . عله يجد مناصاً يلجأ إليه  أو رؤية تبصره بما حدث بحيث لا يكن مخطئاً ، أن ما حدث كان بمحض الصدفة معك يا جمال... ؟ قد تكون تلك المرأة بريئة مما ظننت فيها .! أم أن  خوفك من المفتش الذي كان يسعى خلفك جعلك تغلظ عليها ويموت قلبك ؟ ، فتسقط المرأة المسكينة بفعلك  على الركاب والأرض جثة هامدة   ، ما أغلظ قلبك يا قاسي ...! قد تكون في حاجة للتذكرة وليس بها مقدرة لدفعا ، لا.! كيف ؟ إنها قروش قليلة .... ، هناك من لا يستطيع دفع ثمن التذكرة .!  أهي منهم ؟ تبدو عليها علامات الفقر ، يا لك من جاحد غليظ القلب .! ،أسئلة كثيرة وحوار لم ينقطع   وماذا ستفعل معها ، أليس من الواجب عليك أن تعرف ما آل من أمرها ،  ماذا لو ماتت  ؟ ستكون أنت القاتل ، وماذا لو  ظلت على قيد الحياة وسئلت عن سبب سقوطها . وهنا انتابه الخوف وكأنه سرق اختطف من مقعده وغاب بعينيه في السماء ، وخرجت آه من  جوفه بزفير يكاد يحرق المقهى برواده وعلا صوته بالآهة  وتغيرت ملامح وجهه وهو يقول : معلون أبو الشغل ، معلون أبو التذاكر والقطارات معلون أبو الفقر وأبو الفلوس  ، ملعون أبوك  يا دنيا ..!

                                            @@@@@

                                          الفصل التاسع 

  
كان المعلم حنفي كعادته يراقب رواد قهوته وزبائنه ، وجمال ما هو ببعيد عنه وليس من زبائن القهوة الجدد ، بل  زبون دائم كثيراً ما يحادثه ويوده والحديث بينهما سجال  لتجاذب الطرف والنكات  ، والحج حنفي رجل أكلته الدنيا وعصرته عصراً فيستطيع أن يقرأ وجوه أصحابه وزبائنه بفراسته المعهودة وحنكته وخبرته في الحياة ،  فيتدخل في حل بعض المشكلات التي تعرض عليه من بعض زبائن القهوة وروادها لما اتسم به من شهامة ابن البلد وصدق النية فيما يفعل فاشتهر بين أهل الحي وذاع صيته وصار محل تقدير واحترام للجميع يشار عند الضرورة ولا يفتر عنك إن طلبته هكذا كان المعلم حنفي أو الحاج حنفي .
 التقط الحاج حنفي من ملامح جمال شيئاً أرقه في مجلسه فقد رأى ملامح جمال تنقبض وتنبسط وهمهمات وشرود لم يعتاده على جمال من قبل ، لذلك وضعه تحت عين المراقبة وهو ينظره بخفية لا يثير انتباهه وينتظر أن يقدم جمال بما عنده ليفك رموز الحيرة له  ،كان لشرود جمال الزائد ليوحي بأمر فوق تصور الحاج حنفي فاستل كرسيه وانتصب من مقامه ووضع الكرسي أمام جمال وهو يبتسم ويقول : مالك يا بني ؟ لست كعادتك  هَمُك يبدو ثقيلاً وها أنا أسمعك .!

                                             @@@@@
                                          
                                            الفصل العاشر 



استطاع المعلم حنفي أن يخرج المكبوت من جوف جمال بطريقة المعلم والأب اللبيب  فهو صاحب الفراسة والحنكة ..... تنهد المعلم حنفي تنهيدة طويلة ملتهبة وهو يدور برأسه ناحية الشارع ونادي الجرسون وهو يشير إليه أن يأتي بشيشة وفنجان قهوة للريس جمال ، يعترض جمال : لا يا معلم كفاية .! اشرب يا جمال فلدينا ما نقوله ...! جاء (حبظلم ) بالعجلة تلبية لأمر الحاج حنفي وهو يضع الشيشة أمام جمال ويعبث في جمرها وينفخ فيه لتعطي دخانها بغزارة لرئتي جمال وهو يقول طلب المعلم حنفي يا ريس . صدح الآذان من فوق مآذنه المسجد المجاور لصلاة العصر .  وكان على الحاج حنفي أن يمضي للصلاة ثم يعود فلا يستطيع تأخير صلاته كما تعود ، وقف المعلم حنفي وتأهب للذهاب للصلاة لكن يده تمتد فيمسك يد جمال ليخرج به من المقهى وظن جمال أن المعلم سيذهب به إلى مكان ما ..! لكن المعلم قصد الترغيب في جمال قبل أن يقبل على حل ، مشى جمال بجانب المعلم حنفي دون أن ينبس بكلمة واحدة ولم يقل ولم يسأل وكأنه مسخر أو مأسور قابل للتشكيل في تلك اللحظة فلم يبدي نفورا أو امتعاضاً ، بل هو راغب فيما يقوله ويمليه عليه الحاج حنفي ، ولم يدري جمال إلا وهو على أعتاب المسجد يمد يده لينزع نعليه من قدميه ، أدرك جمال الصلاة التي كان منقطعاً عنها منذ فترة ووقف في الصف يرفع يديه إلى السماء يبتغي الفرج والخروج من هذا الضيق ويطلب من الله الستر وتخر عيناه كأنه عاد من المعصية إلى التوبة ،


                                              @@@@@
                                           الفصل الحادي عشر 
  
خرج جمال من المسجد وأدى أول صلاة له بعد انقطاع ، فقد ضحك على شيطانه وأحس بطمأنينة تسري في  جوارحه  وسكينة اشتاق إليها ، وقبل أن يلتفت كان الحاج حنفي يجلس بجواره يهنئنه علي الصلاة وهو يبتسم له مسروراً  .
قال الحاج حنفي : كان عليك أن تذهب خلفها وتسلمها أنت إلى المستشفى حتى لا تقع في هذه الحيرة  ، جمال : لا أستطيع يا معلم أن أترك نوبتي
كنت سأجازى وأعاقب ، لا يا جمال .. أنت خشيت المسائلة ، يا حج : الأمر ليس بهذه السهولة واليسر كما تتوقع ، فهذه مسؤولية ، كيف أترك نوبتي والقطار بدون محصل ؟ دون توفير لبديل عني بإعلام رئيس الحركة قبل مغادرتي القطار ، كان الأمر بالنسبة لي صعب  ولا أخفي عليك يا حاج خفت أن تكون قد ماتت وما زلت أخشى  فأنا الذي دفعتها ، لكن أقسم بالله لم أقصد إيذائها بمكروه ، إنما هذا المفتش اللعين الذي لا يود تركي كان معي في نفس القطار بل نفس العربة واقترب منها فأردت أن اثبت  له أنني غير مهمل كما يدعي ، ولا تنسي يا حاج فقد تسبب لي هذا المفتش في  عقابي العام الماضي  ودخلت في تحقيق ،
الحاج حنفي : لا عليك يا جمال  ، سنبدأ سوياً ونسأل رجال الإسعاف بالمحطة التي نزلت بها ونعرف أخبارها  ، ألا تعرف تتصل بزملائك أو رجال الإسعاف ؟ ، وما هي إلا بضع دقائق إلا وهما في مكتب الكمسارية والمحصلين ، ويقبض جمال علي سماعة التليفون ، ألو :    ، من : جمال  ، مرحباً جمال ، من معي ؟ فهمي .!  أهلاً فهمي وكيف حالك ؟ الحمد الله .  وأنت تمام . فهمي ؟ ألا تعرف أخباراً عن الراكبة التي أخذتها عربة الإسعاف من المحطة الساعة الواحدة ظهرا، انتظر ....!
حديث يدور يقطف منه جمال بعض أطرافة يغمر سماعة التليفون وهو على عجلة
وينتظر خبراً ومعلومة ،
                                  ***********    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

أختــــــــــــــــاه ..! //للشاعر سيد يوسف مرسي

( أختَاه .! ) أختاه آهٍ بعدَ آه والمرء طي شروده آواه يــــــــــا .!  للنداء وإن بدا لم يبرح الحلقوم قيد أنملة ولم يبلغ حتى الشفاه كان ...