الثلاثاء، 24 أكتوبر 2017





وأنطلق السهم للهدف ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـــــــ
    

انتهى العام الدراسي الثاني من مرحلة النقل للصف الثاني الإعدادي وأتى الصيف مبكراً يزحف بزفيره البركاني في أجواء الصعيد فيعتلى الركود وجه الحياة ويقبع الفلاحون في ديارهم أغلب أوقاتهم  ،لم يحن وقت الحصيد للزرع بعد . كان أبى مثل غيره كثيراً ما يلجأ إلى ظل شجيرات من نخيل وسدرتين عتيقتين لنا يأخذ قيلولته تحت الشجيرات يشده الحر ليأوي ويستظل  ولأستظل معه حين يشتد الحر بنا ، نفترش حصيراً تحتنا ونلقي ظهورنا  للسدرة  ، يمد يده يطوقني بها ويقربني إليه ، قد عودني على الحنين والألفة في الصحبة فلا أفارقه ، الساعة تقترب من وسط النهار  والمدى يرقص من بعيد من صهد الحر أو  كما يقولون (بحر الشيطان)أو السراب   سؤاله المعتاد ... هل أكلت ؟ أقول : نعم  ، قال:  هل تريد نقوداً ؟ فأرد : أخرج المعلوم و هل تريد أن تنساني؟ ، يتبسم أبى ضاحكاً وكأنه يعجب من جرأتي  . قال:  كيف أنساك يا ولدى ؟ .يضع يده في جيبه ويخرج حافظة نقوده ويوغر يده بداخلها ثم يخرجها بقطعة نقود معدنية ويناولني إياها ، أسر وأغبط بها  وأهم بالانصراف فيشدني  وكأنه يحثني على الجلوس ولا أفارقة ،  كان ذلك معتاداً بيني وبين أبي ، لكن تلك اللحظة كانت غريبة بعض الشيء ، كانت ابتسامة أبي لا تفارقه وعيناه لا يفارقاني  ،
ماذا تفعل أمك  في الدار ؟ أين إخوتك وماذا يفعلون ؟ ،  أجيب كما رأيتهن ، أحسست أنه  يلاطفني ليقول لي شيئاً ، ولم يطول انتظاري .... قال : هل تسافر إلى الإسكندرية....... ؟. لحظة صمت وعيناه لم تغادر وجهي بعد ... ، توقف لساني في فمي والتصق في سقف حلقي وأطبقت  شفتاي فلا أعرف كيف أجيب ؟ وكيف أرد؟ ،  تلك هي المفاجأة  أو الدهشة والشيء الذي لم يك في المراد ، غمرتني السعادة وطوقتني ، فقد كان ظني إني سأسافر معه ونسافر سوياً للتنزه ورؤية الأهل ،فرددت مرتعشا والغبطة تشملني وتعبؤني  نعم:  ، أسافر : معك يا أبى ، متى ...؟  تبسم ضاحكا وهزني برفق وقال : لا  بل ستسافر وحدك  يا بطل ... وليس معك أحد  .....!
                           * * * * *
أخذتني الدهشة ،  يا أبى: كيف  ...؟  لا أعرف لا أستطيع ، أخاف يا أبى أن أضل الطريق وأتوه عن العنوان وعن أقاربي فلا أستطيع العودة لكم والوصول حيث تريد ، قال أبى : كيف تضل الطريق وأنت متعلم  فلماذا كان التعليم ؟، ألم  تعرف القراءة والكتابة  ؟ ومعك عنوان في جيبك ، قلت : نعم . لم يمهلني فقال : وأنت رجل  .....! هل حسبت نفسك صبيا صغيراً ، إنك رجل والرجال لا تخاف  ، وأخذ يقص على من  أقاصيص زمانه السالف وكأنه يثقل من قلبي ويقوى من عزيمتي الضعيفة ويشد على جلادتي
لقد كنت في الرابعة عشر من العمر ولم تكن لي تجارب ولم أخرج من مربع مقداره  عشرون كيلو متراً  أي لم أخرج عن نطاق القرية أو المدينة التابعة لها قريتي ،  ماذا يريد أبى من سفري وحيداً ؟ لقد كنت في داخلي متشوق للسفر ولركوب القطار كما كنت أسمع من أقراني الذين ألهو معهم طوال الوقت ؛كنت أستمع لما يحكى لي عن  فخامة المنازل وكثرة السيارات ونظافة الشوارع واللهجة التي لا يتكلمها أهل القرية عندنا  والبحر العظيم الذي تغيب فيه الشمس وتشرق فيه والسفن العملاقة التي تجوب غمار البحر وتلاطم الأمواج على الشواطئ تصاعد الرزاز فوق رؤوس المارة  ؛كل هذا كنت أسمع عنه ولم أره مثل  رؤية أقراني وأصحابي ، الشيء الوحيد الذي جعل الخوف يملكني هو أن أضل الطريق ،
·      * * * * 
قال أبى : يبدو عليك إنك موافق على السفر ، سأعد لك هدية تأخذها لعمك وإن شاء الله سوف تسافر عصر يوم الخميس (في قطار الصحافة (
رجعت إلى المنزل  أسير بجانب أبى ولا أع ما يقوله لي ومن يمر بجانبنا ومن يكلمنا ، لقد غبت عن أبى وغاب أبى عنى قبل السفر  وقبل أن أرحل عنه
كنت أدور حول نفسي لعلى أجد من أفضفض معه وأحكي له ليقول لي شيئا عن القطار والمحطة والنزول والركوب فلم أجد أحدا في هذا اليوم أجلس معه ويقول لي شيئا  ، فرحت أرسم  صورة في خيالي عن أي شيء يطرق رأسي ساعة يعتليني الفزع وساعة تعتليني الغبطة والسرور ، سوف أركب القطار والسيارة والترام  سأستبدل الجلباب (بمنطل) وقميص مثل أولاد عمى سأتكلم لهجة مصراوية  ، سأنزل البحر وسأسبح فيه بدل الترعة التي تمتلئ مياهها بالحشائش كانت الصور عندي متعددة الألوان حسب ما يرسمه الخيال في رأسي من مناظر ولوحات كان الخيال شديداً يجسد لي كل شيء
رجعت إلى الدار وبحثت عن أمي دون مقدمات وأبى خلفي  يتبعني أو قل يراقبني قلت : أنا مسافر يا أمي :نظرت تجاهي وتركت يدها ما تمسك به وكأنها تستشف شيئا أو استغربت قولي ثم قالت على البركة خذ أبيك معك ؛قال أبى :سوف يكون كما قلت ، لكن ليس الآن نحن اليوم في يوم الاثنين ؛  ما رأيك ؟ سكتت أمي وطأطأت رأسها وسكت الجميع ما من حس ولا حركة كأن الدار خلت من أهلها، ما من همس بيننا إلا الأنفاس التي تجرى في الصدور وكأنها تحشرجت في خروجها ، أو أن هناك شيئا راح يعوقها ؛ رفعت أمي رأسها بعد صمت طويل  ، ثم قالت : أصحيح ما يقوله ابنك ؟ ، قال أبى:  نعم  ...فما هو رأيك .؟ جاء الخبر وسقط على رأس أمي كالصاعقة ، وتبعته الدموع وقالت لأبى ما دهاك يا رجل ؟ ، ابنك قاصر وتريد أن تغرقه في الغربة لا يعرف يمينا أو شمالا  ،  لم يخرج من قبل ولم يسافر ولم يفارقنا وتريد تغريبه  هل نسيت يا رجل أن ابنك هذا هو غطاء بيتك وغطاء بناتك (السبعة )وحيدنا يا رجل وتريد تغريبه ؟ قال أبى:  وقد ظهرت عليه علامات الجد ، وقد كشر على أنيابه وهو يخفى عاطفته ، وماذا في ذلك ؟ ، أتريدينه رجلا طريا خرعا رخواً ؟ أم تريديه 
رجلا قويا صلبا ، اتركيه لي كي أشكله بمعرفتي كي يصبح رجلا  فلو ظل بجانبك لكان مثل إخوته البنات لا تفرقيه عنهن  ، اتركيه كي يصبح رجلا بين الناس وبين أبناء عمومته ، فالغربة مدرسة الحياة  ستشكله الغربة وستجعل منه رجلا قويا كما تريدين له أما لو ظل بجانبك لا يخرج ولا يرى الحياة سيكون البنت الثامنة لنا ،  رأيت سمات وملامح وجه أمي تتدحرج للتغير وكأنها رضخت  تحت شدة أبي  وبدأت نبرتها وصوتها يتغيران أمام أبى ، فلما طال النقاش بينهما تركتهما وسرت بعيدا عنهما علهما يتفقان على شيء فيما بينهما وكأني لا ناقة ولا جمل  فيما هم فيه يخصمون ، أو كأن الأمر لا يخصني  ،ولكن سريرتي كانت تميل على موافقة أمي على سفري بالرغم من الخوف الذي يتملكني وطاف بى من حين لأخر ؛
·      * * * *
رجعت بعد هدأت الأمور بينهما وجلست إلى الطعام الذي أحضرته أمي لأبى وبدأنا في تناول الطعام  ، وكنت أتحين الفرصة كي أطرح سؤالي الذي يخامرنى على أبى دون أن أغضبه منى ، ثم تكلمت إليه وأنا أتحاشى النظر إليه بالقدر المستطاع ، متى يكون السفر يا أبى؟
قال أبى أمستعجل على السفر لهذه الدرجة ؟ ، إن شاء الله السفر سيكون عصر يوم الخميس ، جهز نفسك وربنا معاك أخرج وشوف الدنيا
ولا تركن إلى القعاد هنا فالقعاد يا ولدى كساد ،والكساد يا ولدى مزلاج باب الفقر أخرج لعلك تجد عوضا في غربتك بين أبناء عمومتك وتتعرف على هذه الدنيا الواسعة ،
كان أبي ٌاتخذ القرار ورتب كل شيء لسفري ومرت اللحظات سريعة مابين حقيقة وخوف اعترت الجميع؛ وأضحينا في يوم الخميس وكأن كل شيء كان معد لرحلتي وسفري ومرت اللحظات عصيبة كئيبة وبدأ الخوف يدب في قلبي سريعا وبشدة ، إنني ذاهب إلى المجهول  لا أدرى كيف ينتهي بى الحال والمطاف هل أنا سائر إلى سعادة أم سائر إلى شقاء لا أدرى ؟ وحان وقت الرحيل ووجدت أبى يعلمني بتغير ملابسي وكانت أمي قد أعدت لي ماء ساخنا للاغتسال .....
راح أبى يجهز لي متاع السفر الذي سوف يعتلى كتفي طوال الطريق الذي  سوف يحمل على الحمارة التي تنقلنا إلى محطة القطار التي تبعد خمسة كيلو مترً عن قريتنا ؛
كنت انتهيت من الاغتسال وبدلت ملابسي وتهيأت للسفر والذهاب إلى المجهول ونظر أبى في السماء وإلى الشمس ، قال: لقد حان وقت الرحيل  ..... هيا
·      راوية قصيرة من سلسلة حكايتي


بقلمي سيد يوسف مرسي 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

أختــــــــــــــــاه ..! //للشاعر سيد يوسف مرسي

( أختَاه .! ) أختاه آهٍ بعدَ آه والمرء طي شروده آواه يــــــــــا .!  للنداء وإن بدا لم يبرح الحلقوم قيد أنملة ولم يبلغ حتى الشفاه كان ...