الثلاثاء، 17 أكتوبر 2017

قراءة تعسفية بعد احتداد لقصيدة (أعاتبها ولكن )


أعاتبها ولكن

الله أكبر يا بنية فاسمعي
يا بنت صلبي لا تجوري فتأثمي

زخم الأيادي (بالزبادي) يضرني
أنا بالفؤاد وباليقين تفهمي

ويموج صدري كالبحار (يرجني )
لا بالتطاول والسباب وتعشمي

الذنب ذنبك لا غبار بمعدني
عيشي حياتك مثل طفل تكرمي

وتعيش طوعا والوداد يهمني
يشفيك ربي يا بنية فاهمي

ما كان قولي بالوئام يضرني
وما قلت قولا في الظلام لأنتمي

لو كان خبزي للجياع يذلني
للزمت داري وكان بيتي ملزمي

ناجيت ربي يا بنية يقلني
ما كان قولك بالغرور بملهمي

سأظل صخراً ما الجماد يشدني
حق الأخوة في الكتاب ومغرمي

قد صرت كبشاً والفراء يجلني
أبكي شبابي يوم قالوا معلمي

واليوم جئت والشرور تخلني
عشت السنين وما بكلب عضني

ستعيش هرجا في الديار وتنحني
يا بنت صلبي ما دهاك تكلمي

أبغي العدول وما دهاك سينجلي
إن كان ودك في الوداد ما تندمي

إن السكينة في الديار تحضني
تقضين عمرك في النزاع لتنعمي

قد عض كلبك ابن أختك واسألي
بنت الأصول لا تطوف بمجرم

هذا سحاب في الديار لتخجلي
الحق حق وفي الأحشاء تألمي

قولي لبعلك يا عزيزة واعلمي
الود ود وفي الشرور تشاؤمي

يهديك ربي يا بنية عدني
والحق حق ما بشيء بمعجمي

بقلم / سيد يوسف مرسي 

ليكن تحليلنا لهذه القصيدة مثالا عن تشخيص أعراض البنية الفنية الضعيفة، التي غالبا ما تصاحب نصوص الشعراء المبتدئين في كتابة الشعر العمودي. والتي يمكن كشفها بسهولة في الشعر العمودي خصوصا ، دون شعر التفعيلة . وتتمثل أعراض البنية الفنية الضعيفة في :
1- انقطاع الفكرة بين الصدر والعجز . 
2- الإتيان بمعان تلفيقية غير مناسبة لملء فراغات التفعيلات .
3- الخروج عن الوحدة الموضوعية للنص .
4- الارتكاز على النظم اللغوي السردي لمجمل النص.
5- الصورة الشعرية المقتضبة المبتورة عن السياق. 
6- تكرار المعاني وتكرار الألفاظ مع بعض التحوير.

أولا ً: انقطاع الفكرة بين الصدر والعجز 

سؤال : متى نعتبر انقطاع الفكرة بين الصدر والعجز ضعفا في البنية الفنية ؟ 
الجواب: يعد هذا الانقطاع ضعفا فنيا بنيويا عندما يشكل ظاهرة عامة تشمل جميع أبيات القصيدة أو معظمها . بحيث يتضح منها أن الشاعر غير قادر على بسط فكرة واحدة في البيت بسطاً تلقائيا يمتد من بداية الصدر إلى نهاية العجز، دون قطعها مع انتهاء الصدر وابتداء فكرة أخرى جديدة مع بداية العجز. أو دون قصر الفكرة وإنهائها قبل انتهاء العجز، ثم حشو فراغات التفعيلات في البيت بألفاظ فائضة عن الحاجة، لإكمال ما قصرت عنه الألفاظ الضرورية المعبرة عن الفكرة . 
يمثل بيت الشعر في الشعر العمودي التقليدي وحدة معنوية مستقلة بنفسها . ولهذا اعتبر بعض النقاد ظاهرة التضمين التي تعني ابتداء بيت الشعر أو انتهاءَه بكلمة تنتمي في معناها لفكرة البيت السابق أو لفكرة البيت التالي عيبا فنيا. 
وسواء أوافقناهم ،أو خالفناهم بانضمامنا إلى الفريق الذي يجد للتضمين توظيفا مهما في الترابط المعنوي بين الأبيات، لخدمة الوحدة الموضوعية للقصيدة . فإننا نقول بأن الانتقال من فكرة لأخرى يحدث أساسا مع الانتقال من بيت إلى آخر في الشعر العمودي وهذا ما جعل البيت وحدة معنوية مستقلة في الشعر االجاهلي عموما. 
أما الإصرار على الإتيان بفكرة مستقلة لكل من الصدر والعجز فهو يسلب صفة الاستقلال بالمعنى من البيت الواحد ليمنحها للشطر الواحد. وينعكس ذلك على التراكيب اللغوية في البيت إذ تتقطع أوصالها الممتدة من الصدر إلى العجز، فتفقد الرصانة والتماسك والجزالة . 

الله أكبر يا بنية فاسمعي
يا بنت صلبي لا تجوري فتأثمي 

يحاول الشاعر في البيت الأول أن يقلّد نسق التركيب اللغوي الذي جاء في قصيدة النشيد الوطني لليبيا والتي كتبها الشاعر عبد الله شمس الدين ، 
الله أكبر فوق كيد المعتدي
والله للمظلوم خير مؤيد
...
الله أكبر يا بلادى كبري
وخذى بناصية المغير ودمري
...

الله أكبر! جملة خبرية حادة معنويا تستخدم في بدء الكلام للحشد والهجوم والتهويل والإكبار . فموقعها الذي استخدمها فيه عبد الله شمس الدين صحيح ومناسب لأنه أخذ بعدها يحشد البلاد فأمرها بالتكبير (يا بلادي كبري) ثم أمرها بأخذ ناصية العدو المغير وتدميره. . لكن في هذا البيت 
الله أكبر يا بنية فاسمعي 
يا بنت صلبي لا تجوري فتأثمي
لا يكون استخدام (الله أكبر) صحيحا إلا بشرط أن تنبئنا القصيدة عن حدث مهول قامت به البنت يستحق التكبير وسيتابع الشاعر الإخبار عنه. فما الذي فعله الشاعر بعد التكبير والتهويل ؟ أخذ يرقق لهجته مع ابنته مستخدما لفظ التصغير (بُنية) الذي يستخدم للتحبب. فهو في حال من الاسترخاء والهدوء يدفعه لتليين الكلام مع ابنته . لذا نعتبر استخدامه لتعبير (الله أكبر) استخداما مجانيا غير موظف في موقعه الصحيح.
ثم كرر الشاعر أسلوب النداء مرتين (يا بنية ) و (يا بنت صلبي) وكلاهما بالمعنى نفسه. وكان ينبغي له بعدما قال (فاسمعي) أن يأتي بالكلام الذي يريدها أن تسمعه. لكنه قطع السياق فجأة ليكرر النداء مرة أخرى من غير طائل أو معنى جديد . فلماذا كرر النداء (يا بنت صلبي) ؟ لا لشيء سوى لملء الفراغ ما بين قوله (فاسمعي ) وقوله (لا تجوري فتأثمي) . 
لا حظنا طبعا أن انقطاع المعنى جاء جزئيا وحدث بين معنى التهويل في (الله أكبر ) ومعنى تليين الكلام الذي جاء بعدها مباشرة . 

زخم الأيادي (بالزبادي) يضرني
أنا بالفؤاد وباليقين تفهمي


تركنا الشاعر في البيت الأول في اللحظة التي بدأ فيها بنصح ابنته ونحن نتوقع لها أن تتلقى سيلا من النصائح بعدما هيّأ لها الشاعر انتباهها قائلا: (فاسمعي ). 
وها هي تسمع وها نحن نسمع ، فأين النصائح ؟ 
النصائح لم تتعد فعلين اثنين فقط في البيت الأول (لا تجوري فتأثمي ). 
ثم ماذا ؟ 
قطع الشاعر ما بدأه من فكرة النصيحة بسرعة قياسية ، والتفت في الخطاب فجأة ليتحدث عن نفسه، مخبرا عما يضره هو. وكانت ابنته تنتظر منه، أن يخبرها عما يضرها هي لا عما يضره هو .
فهكذا قطع الشاعر السياق ببتره المفاجئ لفكرة النصيحة ، وانتقاله المفاجئ إلى فكرة الضرر الذي يتركه زخم الأيادي في الزبادي . 
وبغض النظر عن عدم فصاحة لفظة الزبادي فإن المعنى من الفكرة لم يؤد إلى نتيجة مفيدة تخص الشاعر. إذ أن ضرر تلويث (الزبادي) لا يقتصر على الشاعر فقط . فزخم الأيادي في الزبادي يضر الناس كلهم جميعا ، وليس الشاعر استثناء .
ولكن الإشكال المعنوي ليس هنا ، بل في استفادة البنت من هذا الخبر ، فما الذي يتوجب على البنت فعله ؟
توجد مشكلة في التفاهم بين الأب وابنته .وقد ترك الشاعر ثغرة معنوية عند القارئ لعدم إشارته إلى وجود هذه المشكلة . 
فنحن نفترض لملء هذه الثغرة المعنوية أن البنت قد قامت مجازياً بتلويث الزبادي الذي قدمته لأبيها بزخم أيديها ، أي أن أفعالها مع أبيها أو أقوالها له كانت مشوبة بالسوء . لذا فهو يدلها على الطريقة التي تفيدها بالتعامل معه . فهو يتفهمها بالعاطفة كما بالصدق واليقين. 

ويموج صدري كالبحار (يرجني )
لا بالتطاول والسباب وتعشمي 


لماذا يموج صدره كالبحار ؟ هل يحدث ذلك بسبب التطاول والسباب من قبل ابنته ؟ نحن نتكهن . وكان على الشاعر أن يقدم فكرة العجز على فكرة الصدر ليصبح موج صدره نتيجة ورد فعل على تطاول البنت ؟ وفي كل الأحوال ، ليس هناك أي معنى أو فائدة من قوله (وتعشمي ). فعدا عن كسرها للوزن، فالفكرة فيها منفصلة ومستقلة عما سبقها. ولم يأت بها الشاعر إلا لملء الفراغ في منطقة القافية. 

الذنب ذنبك لا غبار بمعدني
عيشي حياتك مثل طفل تكرمي 

لا غبار بمعدني ! المعادن لا تمتزج بالغبار لأنها صلبة وليست مائعة حسب معنى حرف الجر الباء هنا (بمعدني). ولو افترضنا أن الشاعر يقصد وضوح معدنه لعدم تجمع الغبار (على سطحه) أي أنه شخص واضح فعليه استبدال حرف الجر، ومع ذلك سيبقى المعنى ضعيفا لأن لفظة (المعدن) تستخدم للدلالة على طبيعة الإنسان، فيقال (الناس معادن كالذهب والفضة ) في سياق تقييم طبائع البشر وتفاضلها . فما علاقة هذا المعنى بقوله (الذنب ذنبك )؟ من الواضح أن العلاقة بينهما علاقة مصطنعة . ثم يأتي الشاعر بفكرة جديدة في العجز (عيشي حياتك مثل طفل تكرمي )؟ ينصح فيها ابنته بأن تعيش (كالأطفال ) كي تحظى بالتكريم؟ فهل قصد أن تعيش غير ناضجة مثلا أم له قصد آخر ؟ إذ أن صفات الأطفال كثيرة كما لا يخفى ؟

وتعيش طوعا والوداد يهمني 
يشفيك ربي يا بنية فاهمي 
لماذا تحوّل الشاعر من صيغة المخاطبة (عيشي) إلى صيغة الغائب (تعيش) ثم عاد إلى الخطاب(يشفيك). وتعيش هي والوئام يهمه (هو) ...! وهي ألا يهمها الوئام ؟ وكان الأولى به أن يتحدث عما يهمها هي ما دامت هي التي تعيش. القافية (فاهمي ) تضمنت ألف التأسيس مخالفة بقية القوافي وهذا خلل عروضي .

يتبع إن شاء الله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

أختــــــــــــــــاه ..! //للشاعر سيد يوسف مرسي

( أختَاه .! ) أختاه آهٍ بعدَ آه والمرء طي شروده آواه يــــــــــا .!  للنداء وإن بدا لم يبرح الحلقوم قيد أنملة ولم يبلغ حتى الشفاه كان ...