,وفاء والقدر
تعودت أن تسبح بين عربات القطار كالباعة الجائلين ، فهي لم تهدأ ولم تستقر وهي تقبض بين يديها وتضم بين ذراعيها طفلها الفطم ، لا شيء يجرها ويدفعها إلا الخوف الذي يمتلكها ويملئ صدرها ، والطفل معلق بها تهدهده بين تارة وأخرى ، تمسك بشداد يتوسط العربة بين المقاعد خشية السقوط على الرؤوس ، لا تسبل أجفانها وهي تدور مرة برأسها لليمن ومرة لليسار وكأنها تبحث عن مفقود لها ، أو أنها تخشى أن يدركها مدرك وهي تبغضه وتخشاه . دراهم معدودات هي التي تجرها وتدفعها وتعرضها للمشقة والعناء كل يوم وهي قانعة بالسعي بالرغم مما يعتريها في مسعاها لتحصل على ما يقوم صلبها وطفلها الرضيع بعد أن فقدا عائلهما الوحيد في حادث ما زال غامضا ، حاولت أن تلتحق بعمل دائم أو حتى بعقد والتمست ذلك عند أصحاب الجاه والسلطان فلم تجد إلا الوعود الزائفة منهم ،
والطمع في جسدها ، لقد رأت في أعين القوم الاستغلال وقرأت كثيراً مداركهم وغايتهم ، فقد نجت بأعجوبة منذ أيام بجسدها وروحها من عند صاحب السلطان عدلي بك وهو يراودها عن نفسها مستغلاً فقرها وحاجتها نجت وفاء من فم الذئب وقد أحدث كثيراً من الجروح بجسدها بمخالبه وهو يصارعها ليتمكن من أكلها وقد رأى في جسدها متعة تفوح منها رائحة الأنوثة فراح يراوغها ويواعدها بتوفير عمل لها ويغدق عليها من الفتات عله يطويها تحت جناحه ووفاء تتعامل معه بحذر وهي بين الأمل والرجاء عسى ... أن يكون كريما فيلحقها بعمل كريم تجد فيه الراحة والسكينة والطمأنينة بدلاً من العمل عند أرباب الطمع وأصحاب النفوذ الذين لا يرحمون الفقير أبداً ولكنهم يسعون لاستغلاله لفقره وضعفه مستخدمين الجبروت وكأن الله خلقهم فوق رؤوس هؤلاء العباد ليتسلطون عليهم ، لقد فقدت وفاء زوجها ولم يعد منذ أن ودعها وذهب ليعمل بالسعودية وقد استدان من كل حدب قبل السفر ليوفر ثمن تذكرة سفره فوق العبَّارة المنكوبة والتي لم تكمل رحلتها بركابها وهو على متنها ، كان محمد قد اتصل بزوجته وهو في الميناء يخبرها بركوبه السفينة التي سوف تنقله إلى الأراضي الحجازية معبأ بالأمل على أن يجد ما يستطيع به المعيشة هو أسرته ، لكن الرياح دائما ما تأتي بما لا تشتهي السفن ، فقد تعرضت السفينة لحادث وهي تبحر وأنحدر القبطان عن خط السير فوقعت السفينة في منطقة مرجانية تكثر فيها الأعشاب والصخور المرجانية فاصطدمت اصطداما مروعاً وتعطلت محركاتها وتسربت المياه إلى جوفها وراحت تغمر الكبائن التي يقطنها الركاب وبالرغم من المحاولات اليائسة من الملاحين على متنها وطلب الاستغاثة مراراً وتكراراً فلم تجد السفينة وركابها النجدة وكأن كل أجهزة المواني كانت معطلة في تلك اللحظة وقفز محمد بآماله وأمثاله في لج البحر ليكون طعاماً لأسمالك القرش والحيتان التي وجدت وجبة غنية من البشر الرخيص المعدوم والتي لا تصلح لحومه إلا للكلاب أو الأسماك في البحر ولم ينجو من الركاب إلا القليل ، كان هو التفسير الوحيد عند من فقد أحداً من ذويه ومن بينهم فاطمة فلم يجد هؤلاء من بنجدهم ويغيثهم ، ولم تعطع الأجهزة المعنية في الدولة مبرراً وتفسيراً حقيقاً لما حدث ، وانتظرت وفاء على أمل أن محمدا وسعت كثيراً لتعرف مصير زوجها لكنها لم تصل إلى أي خيط يدلها عليه كي تعرف مصيره ، توسلت وفاء لدى أهل المروءة من ذو السلطان وطرقت كثيراً من الأبواب التي لم تعرف هوية أصاحبها ، وكل ذلك مر بها دون جدوى أو خبر لتظل وفاء في مهب الريح معلقة بلا عائل ولا معين ليس لها غير الله سبحانه وتعالى . حينها تحركت وفاء و خرجت من منزلها لتحصل دراهم معدودة تستطيع العيش بها بدل التسول وانتظار المتصدقين والمتصدقات أن يعطوها ، فمن أعطاها اليوم منعها الغد ، لذلك خرجت وفاء تطلب رزقها وقوتها بالرغم ما تتعرض له من مضايقات من أصحاب العمل فهي فتاة ندية في مقتبل العمر لها أنوثة طاغية تلهب أعين الناظرين وتسيل لعاب الذئاب والكلاب الضالة ،
*
في تلك اللحظة لم تعرف وفاء أنها تركت سهواً دراهمها المعدودة والتي تحتفظ بها في قطعة من الجلد حاكتها بيديها لتضع فيها قروشها القليلة وما تخشى عليه من الهلاك والضياع ، لقد نسيت قروشها التي سوف تستعين بها في طريقها للعمل لحين أن يمن الله عليها برزق لتعود مجبورة الخاطر وطفلها إلى دارها ، لقد أدركها محصل التذاكر وكانت تود لو أفلتت منه ومن سؤاله لها ، ودت لوصل القطار إلى المحطة التي تهبط فيها قبل أن يدركها المحصل ، لكن القطار كان قد تعطل في الطريق لخلل فني بالجرار الذي يقوده ويجر العربات خلفه وكثيراً ما يحدث ذلك في رحلات قطارات السكك الحديدة نظراً لانتهاء العمر الافتراضي لهذه المعدات وقلة الصيانة بمؤسسة السكك الحديدية ، فقد طوى المحصل العربات قتلاً وتفتيشاً حتى أدركها فلم تجد مفراً من أمامه ومعها طفلها معلق بصدرها ، هنا ارتعشت مفاصلها واكتسى وجهها باللون الأصفر و لم تبد وفاء مقاومة ولكنها أحجمت عن الرد فعاود المحصل السؤال لها مرة أخرى ، لقد عبأ وفاء الخجل وهي تدور برأسها وعيناها غائرتان في الحضور حولها ، مد المحصل يده ليخرجها من مكانها وهو يرمقها بعينيه من تحت نظارته وقد قبضت وفاء
بشدة على طفلها بين ذراعيها وهى تخشى عليه من السقوط أو تخشى عليه من الفزع ،
**
لم تدرك وفاء تغيرت لهجة المحصل وهو يشير لها بالتحرك للأمام ويبتسم ابتسامة خفيفة لم تعرف وفاء مرادها منه وماذا وراءها ؟ ،فقد كان الخوف يتغلغل بداخل وفاء وهي تظن أنها سوف تسلم لنقطة شرطة القطار أو غير ذلك من الأمور المتبعة مع الركاب المتهربين ، لكن المحصل مشى بها بين المقاعد وقد أفسح الركاب له الطريق مستجابين لندائه لهم حتى تعدى حدود العربة ودخل التالية التي تليها وبالوسط كان بها كرسي مزدوج يجلس عليه فرد واحد ، ويقف المحصل عند طرفه وهو يشير
إليها بالجلوس ، نظرت وفاء بدهشة وغرابة لفعل المحصل وقد ألجمها ما قام به فلم تعرف ما تقول له ،هل تشكره ؟ أم وراء ذلك أمراً غير مدروك لها ..؟أم أنه قد وضعها قيد التوقيف لحين يتحرك القطار ويصل المحطة ومن ثم يقوم بتسليمها ؟،
تبسم المحصل ابتسامة خفيفة ومال برأسه إليها كأنه يهامسها ويطرد ما انتابها من خوف وهو يقول
إلى أين ذاهبة ؟ وأين أرضك ؟ يا وفاء .....
ويمد المحصل يده لأحد البائعين ويأخذ قطعتين من الشوكلاته ويدفع بهما إلى الطفل الذي التصق بصدرها وهو ينظر إليه بغرابة ودهشة كما تنظر إليه أمه كان القطار قد وصل نهاية رحلته وتوقف القطار وأمسك المحصل يد وفاء لتنطلق بهما عربة
في شوارع المدينة التي غابت عنها وعلى حين غرة تجد وفاء نفسها وطفلها في مكتب القاضي الشرعي
فقد أنهكتها سلالم العمارة والمشوار الطويل فلم تنبذ بكلمة إلا أن العين غلبتها لتخر الدموع
بقلمي : سيد يوسف مرسي
تعودت أن تسبح بين عربات القطار كالباعة الجائلين ، فهي لم تهدأ ولم تستقر وهي تقبض بين يديها وتضم بين ذراعيها طفلها الفطم ، لا شيء يجرها ويدفعها إلا الخوف الذي يمتلكها ويملئ صدرها ، والطفل معلق بها تهدهده بين تارة وأخرى ، تمسك بشداد يتوسط العربة بين المقاعد خشية السقوط على الرؤوس ، لا تسبل أجفانها وهي تدور مرة برأسها لليمن ومرة لليسار وكأنها تبحث عن مفقود لها ، أو أنها تخشى أن يدركها مدرك وهي تبغضه وتخشاه . دراهم معدودات هي التي تجرها وتدفعها وتعرضها للمشقة والعناء كل يوم وهي قانعة بالسعي بالرغم مما يعتريها في مسعاها لتحصل على ما يقوم صلبها وطفلها الرضيع بعد أن فقدا عائلهما الوحيد في حادث ما زال غامضا ، حاولت أن تلتحق بعمل دائم أو حتى بعقد والتمست ذلك عند أصحاب الجاه والسلطان فلم تجد إلا الوعود الزائفة منهم ،
والطمع في جسدها ، لقد رأت في أعين القوم الاستغلال وقرأت كثيراً مداركهم وغايتهم ، فقد نجت بأعجوبة منذ أيام بجسدها وروحها من عند صاحب السلطان عدلي بك وهو يراودها عن نفسها مستغلاً فقرها وحاجتها نجت وفاء من فم الذئب وقد أحدث كثيراً من الجروح بجسدها بمخالبه وهو يصارعها ليتمكن من أكلها وقد رأى في جسدها متعة تفوح منها رائحة الأنوثة فراح يراوغها ويواعدها بتوفير عمل لها ويغدق عليها من الفتات عله يطويها تحت جناحه ووفاء تتعامل معه بحذر وهي بين الأمل والرجاء عسى ... أن يكون كريما فيلحقها بعمل كريم تجد فيه الراحة والسكينة والطمأنينة بدلاً من العمل عند أرباب الطمع وأصحاب النفوذ الذين لا يرحمون الفقير أبداً ولكنهم يسعون لاستغلاله لفقره وضعفه مستخدمين الجبروت وكأن الله خلقهم فوق رؤوس هؤلاء العباد ليتسلطون عليهم ، لقد فقدت وفاء زوجها ولم يعد منذ أن ودعها وذهب ليعمل بالسعودية وقد استدان من كل حدب قبل السفر ليوفر ثمن تذكرة سفره فوق العبَّارة المنكوبة والتي لم تكمل رحلتها بركابها وهو على متنها ، كان محمد قد اتصل بزوجته وهو في الميناء يخبرها بركوبه السفينة التي سوف تنقله إلى الأراضي الحجازية معبأ بالأمل على أن يجد ما يستطيع به المعيشة هو أسرته ، لكن الرياح دائما ما تأتي بما لا تشتهي السفن ، فقد تعرضت السفينة لحادث وهي تبحر وأنحدر القبطان عن خط السير فوقعت السفينة في منطقة مرجانية تكثر فيها الأعشاب والصخور المرجانية فاصطدمت اصطداما مروعاً وتعطلت محركاتها وتسربت المياه إلى جوفها وراحت تغمر الكبائن التي يقطنها الركاب وبالرغم من المحاولات اليائسة من الملاحين على متنها وطلب الاستغاثة مراراً وتكراراً فلم تجد السفينة وركابها النجدة وكأن كل أجهزة المواني كانت معطلة في تلك اللحظة وقفز محمد بآماله وأمثاله في لج البحر ليكون طعاماً لأسمالك القرش والحيتان التي وجدت وجبة غنية من البشر الرخيص المعدوم والتي لا تصلح لحومه إلا للكلاب أو الأسماك في البحر ولم ينجو من الركاب إلا القليل ، كان هو التفسير الوحيد عند من فقد أحداً من ذويه ومن بينهم فاطمة فلم يجد هؤلاء من بنجدهم ويغيثهم ، ولم تعطع الأجهزة المعنية في الدولة مبرراً وتفسيراً حقيقاً لما حدث ، وانتظرت وفاء على أمل أن محمدا وسعت كثيراً لتعرف مصير زوجها لكنها لم تصل إلى أي خيط يدلها عليه كي تعرف مصيره ، توسلت وفاء لدى أهل المروءة من ذو السلطان وطرقت كثيراً من الأبواب التي لم تعرف هوية أصاحبها ، وكل ذلك مر بها دون جدوى أو خبر لتظل وفاء في مهب الريح معلقة بلا عائل ولا معين ليس لها غير الله سبحانه وتعالى . حينها تحركت وفاء و خرجت من منزلها لتحصل دراهم معدودة تستطيع العيش بها بدل التسول وانتظار المتصدقين والمتصدقات أن يعطوها ، فمن أعطاها اليوم منعها الغد ، لذلك خرجت وفاء تطلب رزقها وقوتها بالرغم ما تتعرض له من مضايقات من أصحاب العمل فهي فتاة ندية في مقتبل العمر لها أنوثة طاغية تلهب أعين الناظرين وتسيل لعاب الذئاب والكلاب الضالة ،
*
في تلك اللحظة لم تعرف وفاء أنها تركت سهواً دراهمها المعدودة والتي تحتفظ بها في قطعة من الجلد حاكتها بيديها لتضع فيها قروشها القليلة وما تخشى عليه من الهلاك والضياع ، لقد نسيت قروشها التي سوف تستعين بها في طريقها للعمل لحين أن يمن الله عليها برزق لتعود مجبورة الخاطر وطفلها إلى دارها ، لقد أدركها محصل التذاكر وكانت تود لو أفلتت منه ومن سؤاله لها ، ودت لوصل القطار إلى المحطة التي تهبط فيها قبل أن يدركها المحصل ، لكن القطار كان قد تعطل في الطريق لخلل فني بالجرار الذي يقوده ويجر العربات خلفه وكثيراً ما يحدث ذلك في رحلات قطارات السكك الحديدة نظراً لانتهاء العمر الافتراضي لهذه المعدات وقلة الصيانة بمؤسسة السكك الحديدية ، فقد طوى المحصل العربات قتلاً وتفتيشاً حتى أدركها فلم تجد مفراً من أمامه ومعها طفلها معلق بصدرها ، هنا ارتعشت مفاصلها واكتسى وجهها باللون الأصفر و لم تبد وفاء مقاومة ولكنها أحجمت عن الرد فعاود المحصل السؤال لها مرة أخرى ، لقد عبأ وفاء الخجل وهي تدور برأسها وعيناها غائرتان في الحضور حولها ، مد المحصل يده ليخرجها من مكانها وهو يرمقها بعينيه من تحت نظارته وقد قبضت وفاء
بشدة على طفلها بين ذراعيها وهى تخشى عليه من السقوط أو تخشى عليه من الفزع ،
**
لم تدرك وفاء تغيرت لهجة المحصل وهو يشير لها بالتحرك للأمام ويبتسم ابتسامة خفيفة لم تعرف وفاء مرادها منه وماذا وراءها ؟ ،فقد كان الخوف يتغلغل بداخل وفاء وهي تظن أنها سوف تسلم لنقطة شرطة القطار أو غير ذلك من الأمور المتبعة مع الركاب المتهربين ، لكن المحصل مشى بها بين المقاعد وقد أفسح الركاب له الطريق مستجابين لندائه لهم حتى تعدى حدود العربة ودخل التالية التي تليها وبالوسط كان بها كرسي مزدوج يجلس عليه فرد واحد ، ويقف المحصل عند طرفه وهو يشير
إليها بالجلوس ، نظرت وفاء بدهشة وغرابة لفعل المحصل وقد ألجمها ما قام به فلم تعرف ما تقول له ،هل تشكره ؟ أم وراء ذلك أمراً غير مدروك لها ..؟أم أنه قد وضعها قيد التوقيف لحين يتحرك القطار ويصل المحطة ومن ثم يقوم بتسليمها ؟،
تبسم المحصل ابتسامة خفيفة ومال برأسه إليها كأنه يهامسها ويطرد ما انتابها من خوف وهو يقول
إلى أين ذاهبة ؟ وأين أرضك ؟ يا وفاء .....
ويمد المحصل يده لأحد البائعين ويأخذ قطعتين من الشوكلاته ويدفع بهما إلى الطفل الذي التصق بصدرها وهو ينظر إليه بغرابة ودهشة كما تنظر إليه أمه كان القطار قد وصل نهاية رحلته وتوقف القطار وأمسك المحصل يد وفاء لتنطلق بهما عربة
في شوارع المدينة التي غابت عنها وعلى حين غرة تجد وفاء نفسها وطفلها في مكتب القاضي الشرعي
فقد أنهكتها سلالم العمارة والمشوار الطويل فلم تنبذ بكلمة إلا أن العين غلبتها لتخر الدموع
بقلمي : سيد يوسف مرسي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق