كرسي الاعتراف
حثتني نفسي أن أقتل فيها المراد ، أقتل فيها
شهوة الشهاء ، أقتل فيها كل الرغبات ، اسقها من مر الحنظل كأسا ً ، حتى تعود أو
ينهي حياتها هادم اللذات ، لقد عجبت من أمرها وقد جلست معي في سحر الليل ، أيقظتني
وأخرجتني من دوامة النوم ، راحت ترجني ،
تهزني ، ترعشني كالغصن
الذي يود إفراغه من الثمار ،وجدتها على
الكرسي وتفرش كل دفاترها المهملة ، نظرت إليها نظرة إشفاق ، قالت : جئت أقر
بشهادتي وأعترف ..1
وأؤمل أن أنال الغفران ، قالت : سرقني البهيم
كما يسرق غيري ، فسرت ظلامه وطفت في دروبه وسكنت مساكنه كالخفافيش حتى عشقت الظلام
كما تعشقه ونسجت جلبابي وحلتي من غزل نسيجه ، ,وأصبحت أخشي الضياء
وأهابه وعبأت كل أواني الطهي من طعامه ،
وأصبحت من صلب الظلام
ومن رحم الظلمة ، حتى أصبح ما بداخلي نطاق أو
فرجة لشعاع أو خيط لضوء ، فجأة جاءني هاتف يحمل علي أكفه رسالة ، ما أن فضت أمامي
حتى تزعزعت أركان الظلام الذي كان يخيم ويسكن
فترق كالسحاب الشارد
كأن الريح قد سلطت عليه لتمزقه أرباً وأرى
وجه السماء وكأنه لأول مرة
أرى فيها الزرقة والصفاء ، وقد راودني ما
يراود المرء من سطوة الشيطان وسيطرة التمني ، وذئاب الشهاء تراقبني وتحضني على
الاستمرار ، كنت أنظر الحدأة وهي تنعق في الظلام تراقبني كأنني الفريسة التي تود
أن تلتقطني
وتخطفني قبل أعرج للصفاء ، وقد ضاقت أنفاسي ولم يعد بصدري متسع ، وشيطاني يحفزني ،
يحبذني ويصور في الخيال قصور السعادة حتى أدمنت الرغبة ونسجت من خيوطها ثوبي الذي
أرتديه أمامك ، والآن وقد جئت ،،!
أدمن رغبة غير الرغبة وأود أرضاً غير الأرض
وسماء غير السماء ، جئت وقد قتلت كل أسبابي ، جئت أنقذ ذاتي ، جئت إلى مراد
الاكتمال وأود أن أسير على الصراط وقد دمعت عيناها وأنا أنظرها وهي تقلب أكفاها ،
قلت : وقد أسندت ظهري للجدار ورفعت وجهي لرب
السماء ورأيت الصفاء حيث تسكن النجوم
ويشرق القمر ( والله يهدي من يشاء ) ،
أردفت قائلة كأنها على لهف وعجل ، والذنب
...! قلت : التوبة النصوحة تجب ما قبلها ، كالإسلام يجب ما قبله عمل الجاهلية ،
قالت: وكيف لا أعود إلى ما كنت عليه ؟ ،
قلت الجلد للعبد المتمرد خير علاج ، قالت وكيف يجلد المرء ذاته ، قلت : الصبر على
الشهوات جلد ، والصبر في الطاعات مجد ، وحسن الظن بالله طلب للعون ، والتوكل على
الله تسليم بالأمر ، والله يعلم ما نخفي وما نعلن ، قالت : إني تواقة إلى ما ذهبت
إليه وأشهد إني عدت لفطرتي ، قلت : قد أقسم ربك في كتابة وخص أمثالك فقال : فلا أقسم بالنفس اللوامة .
وها أنت تلومين ذاتك قالت وودي أن أصعد إلى ربي
مطمئنة ، تبسمت : وقلت لها : لكل مجتهد نصيب ، هذا يعتمد على الطاعة والتوكل
والتسليم ، قالت : ودي أن تتلقاني الملائكة في سماوات ربي حضرة ندية مضيئة عطرية
غير منبوذة أو مكروهة أو مطرودة ( راضية
مرضية ) فشعرت بهزة في أعماقي وغصة في حلقي وندم على ما مضى وسالت دموعي على خدي
منهمرة ، وقد ألهمني ربي قوله سبحانه وتعالى ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من
الظالمين ) صدق الله العظيم
بقلمي : سيد يوسف
مرسي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق